لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مجرد سقطة سياسية عابرة، بل هي تجسيد صارخ لواقع معقد ومتجذر في تاريخ العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة، تلك العلاقة التي اتسمت على الدوام بالتوتر والتقلب، فما الذي يعيد هذه العلاقة إلى دائرة الشد والجذب بين الحين والآخر؟
منذ عقود: جذور الخلاف المتأصلة
تعود جذور التوتر الأمريكي الكوبي إلى ما قبل عقود طويلة، تحديداً مع نجاح الثورة الكوبية في عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو. سرعان ما تحولت العلاقات بين هافانا وواشنطن من شراكة متذبذبة إلى عداء صريح، مع تأميم الحكومة الكوبية للممتلكات الأمريكية وفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية شاملة. لم يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، بل امتد ليشمل التدخلات السياسية والأمنية، أبرزها محاولة غزو خليج الخنازير الفاشلة عام 1961، والتي عززت من شعور كوبا بالتهديد الأمريكي، ودفعها لتعزيز علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، مما فتح الباب أمام أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وهي نقطة كادت أن تدفع العالم إلى حافة الحرب النووية.
فترات الوفاق الهش والعودة إلى مربع الصفر
لم تخلُ المسيرة الطويلة لهذه العلاقة من محاولات التهدئة وتقارب نسبي. شهدت فترة إدارة باراك أوباما انفتاحاً تاريخياً، تمثل في إعادة فتح السفارات، وتخفيف بعض القيود الاقتصادية، وخطوات نحو التطبيع. بدا أن هناك أملاً حقيقياً في تجاوز عقود من العداء. إلا أن هذا الوفاق الهش لم يدم طويلاً. مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شهدت العلاقات انتكاسة كبيرة. تم تجميد العديد من مبادرات التقارب، وتشديد العقوبات، وإعادة تصنيف كوبا ضمن الدول الراعية للإرهاب، وهو ما أعاد المناخ المتوتر إلى سابق عهده، وألقى بظلاله الثقيلة على تطلعات الشعب الكوبي نحو مستقبل أفضل.
إن إرث الحصار الاقتصادي، والخلافات الأيديولوجية العميقة، والمصالح الاستراتيجية المتضاربة، كلها عوامل تجعل من علاقة الولايات المتحدة وكوبا محيطاً هائجاً لا يهدأ. فكل تغيير في البيت الأبيض، وكل تطور في المشهد الإقليمي، يمكن أن يعيد هذه العلاقة إلى نقطة الصفر، أو يفتح باباً جديداً نحو مسارات مجهولة.
📰 Source: BBC Arabic