مدفع “الحاجة فاطمة”: قصة مدفع رمضان الذي ربط بين الحروب وروحانيات الشهر الفضيل
في ذاكرة المصريين، بل وفي وجدان شعوب عربية وإسلامية تمتد عبر الزمان والمكان، يطل شهر رمضان محمّلاً بطقوسه البهيجة وموروثاته العريقة. ومن بين هذه الطقوس التي تتجدد مع كل عام، يبرز “مدفع رمضان”، ذلك الصوت المهيب الذي طالما شكّل إشارة لبدء الإفطار أو السحور، لكن قصة هذا المدفع، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الرمضانية، تحمل في طياتها فصولاً لم تكن لتتوقع يوماً أن تنتهي في ساحات الاحتفاء الروحي.
من ساحات الوغى إلى سماء القاهرة: رحلة “الحاجة فاطمة”
لا يعلم الكثيرون أن مدفع رمضان، الذي أصبح رمزاً للم الشمل وتوقيت العبادات، لم يبدأ حياته كأداة احتفالية، بل كرفيق للجنود في ميادين القتال. يعود أصل القصة إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في عهد الخديوي إسماعيل. كانت القاهرة، مثلها مثل العديد من المدن التاريخية، تفتقر إلى آلية موحدة للإعلان عن موعد الإفطار، مما كان يسبب ارتباكاً للسكان، خاصة في ظل المساجد المتناثرة والمسافات الطويلة. في إحدى الليالي الرمضانية، وبينما كان الجنود يؤدون تدريباتهم في ميدان عابدين، انطلقت رصاصة بطريق الخطأ من أحد المدافع. لاحظ الجنود أن الناس في الشوارع استجابوا لهذا الصوت المفاجئ، معتقدين أنه مدفع الإفطار. لم يمر هذا الأمر مرور الكرام، بل استرعى انتباه والي مصر آنذاك، الذي رأى في هذه الواقعة فرصة رائعة لتوحيد صوت الإعلان عن موعد الإفطار. ومن هنا، بدأ استخدام المدافع لهذا الغرض.
توارث الأجيال: من مدفع لخادمة إلى أيقونة رمضانية
لم يقتصر الأمر على مدفع واحد، بل تطور الأمر ليصبح عرفاً، وتُخصص مدافع لهذا الغرض. لكن اللافت حقاً هو القصة المتداولة حول أحد المدافع الشهيرة، والذي يُقال إنه كان يطلق عليه اسم “الحاجة فاطمة”. هذه التسمية، التي تحمل طابعاً شعبياً دافئاً، تشير إلى ارتباط المدفع بشخصية نسائية، ربما كانت خادمة في القصر أو سيدة مباركة، ارتبط اسمها بهذا الدور الاحتفالي. مع مرور الزمن، وتغير أساليب الإعلان عن الإفطار، ظل مدفع رمضان محافظاً على مكانته، وتناقلت الأجيال حكايته، متجاوزاً وظيفته الأصلية ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية. تختلف المدافع من حيث تاريخها وتفاصيل قصصها من بلد لآخر، لكن فكرة مدفع الإفطار تظل موحدة في جوهرها، وهي إضفاء روحانية وبهجة خاصة على هذا الشهر المبارك.
اليوم، ومع التطور التكنولوجي وظهور التطبيقات المتطورة، قد يبدو مدفع رمضان شيئاً من الماضي. لكنه يظل رمزاً حياً للتاريخ، وشهادة على عبقرية الأجداد في تحويل صخب الحرب إلى إيقاع احتفالي يجمع القلوب. إنه دعوة للتأمل في كيف يمكن للأشياء أن تتغير وتتحول، لتخدم غايات نبيلة وتبقى محفورة في الوجدان.
📰 Source: BBC Arabic